فصل: باب الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.وَأما آثاره:

فخمسة:

.الأول:

عَن ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهُ «أَنه أقبل من الجرف حتَّى إِذا كَانَ بالمربد تيَمّم وَصَلى الْعَصْر، فَقيل لَهُ: أتتيمم وجدران الْمَدِينَة تنظر إِلَيْك؟ فَقَالَ: أَو أَحْيَا حتَّى أدخلها. ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة وَلم يعد الصَّلَاة». وَهَذَا الْأَثر تبع فِي إِيرَاده الْغَزالِيّ هَكَذَا فِي وسيطه، وَهُوَ تبع إِمَامه فِيهِ وَهُوَ أثر صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن نَافِع «أَنه أقبل هُوَ وَعبد الله بن عمر من الجرف، حتَّى إِذا كَانَ بالمربد نزل عبد الله فَتَيَمم صَعِيدا طيبا فَمسح وَجهه وَيَديه إِلَى الْمرْفقين ثمَّ صَلَّى» وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْأُم عَن ابْن عُيَيْنَة، عَن ابْن عجلَان، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر «أَنه أقبل من الجرف حتَّى إِذا كَانَ بالمربد تيَمّم فَمسح وَجهه وَيَديه وَصَلى الْعَصْر ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد الصَّلَاة» وَفِي رِوَايَة لَهُ بالسند الْمَذْكُور «أَن ابْن عمر تيَمّم بمربد النعم» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «الْغنم وَصَلى الظّهْر ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد الصَّلَاة» وَرِوَايَة الشَّافِعِي لهَذَا الْأَثر عَن ابْن عُيَيْنَة مخرجة فِي مُسْنده أَيْضا، وَرِوَايَة مَالك فِي الْمُوَطَّأ مخرجة عَنهُ فِي غير الْمسند، وَذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بِغَيْر إِسْنَاد فَقَالَ: «وَأَقْبل ابْن عمر من أَرض بالجرف، فَحَضَرت الصَّلَاة بمربد النعم فَصَلى، ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد».
ذكره بعد أَن ترْجم بَاب التَّيَمُّم فِي الْحَضَر إِذا لم يجد المَاء وَخَافَ فَوَات الصَّلَاة. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث فُضَيْل بن عِيَاض، عَن مُحَمَّد بن عجلَان، عَن نَافِع «أَن ابْن عمر تيَمّم بمربد النعم وَصَلى وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال من الْمَدِينَة، ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد».
ثمَّ رَوَاهُ عَن حَدِيث يَحْيَى بن سعيد، عَن ابْن عجلَان وَقَالَ بِإِسْنَادِهِ مثله. ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث يَحْيَى بن سعيد، عَن نَافِع قَالَ: «تيَمّم عبد الله بن عمر عَلَى رَأس ميل أَو ميلين من الْمَدِينَة فَصَلى الْعَصْر، فَقدم وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد الصَّلَاة».
قلت: وَقد رُوِيَ هَذَا الْفِعْل أَيْضا عَن سيدنَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَمْرو بن مُحَمَّد بن أبي رزين، عَن هِشَام بن حسان، عَن عبيد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر قَالَ: «رَأَيْت رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يتَيَمَّم بِموضع يُقَال لَهُ: مربد النعم وَهُوَ يرَى بيُوت الْمَدِينَة».
قَالَ الْحَاكِم: هَذَا الحَدِيث تفرد بِرَفْعِهِ عَمْرو بن مُحَمَّد بن أبي رزين وَهُوَ صَدُوق ولم يخرجَاهُ. قَالَ: وَقد أوقفهُ يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَغَيره، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر... فَذكره، وَخَالفهُ فِي ذَلِك تِلْمِيذه الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ: رفع هَذَا الحَدِيث غير مَحْفُوظ. وَصحح فِي خلافياته رِوَايَة الشَّافِعِي السالفة فَقَالَ فِيهَا: هَذَا عَن ابْن عمر ثَابت. ذكره بعد أَن رَوَاهُ مَرْفُوعا عَن شَيْخه الْحَاكِم مَوْقُوفا. وَقَالَ ابْن حبَان: رُبمَا أَخطَأ عَمْرو بن مُحَمَّد بن أبي رزين. وَقَالَ ابْن قَانِع: صَالح.
تَنْبِيهَات:
أَحدهَا: هَذَا الْأَثر أوردهُ الرَّافِعِيّ أَيْضا فِي أَوَاخِر الْبَاب دَلِيلا عَلَى أَنه لَا يشْتَرط لعدم الْقَضَاء كَون السّفر طَويلا، وَوَقع فِي بعض نسخه «أَنه تيَمّم دَاخل الْمَدِينَة» وَهُوَ من الْكَاتِب وَصَوَابه «تيَمّم ثمَّ دخل الْمَدِينَة» كَمَا سلف، فَإِن المربد خَارِجهَا- كَمَا سَيَأْتِي.
ثَانِيهَا: الجرف- بِضَم الْجِيم وَالرَّاء بعدهمَا فَاء وتسكن أَيْضا-: مَا أكلت السُّيُول من الأَرْض. قَالَ الشَّافِعِي بعد رِوَايَته للأثر: وَهُوَ مَوضِع قريب من الْمَدِينَة. وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي شرح الْمسند: إِنَّه مِنْهَا عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال. وَتبع فِي ذَلِك ابْن قرقول فَإِنَّهُ قَالَ فِي «مطالعه»: إِنَّهَا عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال إِلَى جِهَة الشَّام. وَزعم الزبير أَنَّهَا عَلَى ميل، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: عَلَى فَرسَخ. قَالَ ابْن قرقول: وَبهَا مَال عمر وأموال أهل الْمَدِينَة، وتعرف ببئر جُشم وبئر جمل.
ثَالِثهَا: المربد- بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء الْمُهْملَة ثمَّ بَاء مَفْتُوحَة ثمَّ دَال-: مَوضِع بِقرب الْمَدِينَة.
قَالَ الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الْمَذْكُور: هُوَ كل مَوضِع يحبس فِيهِ الْإِبِل. قَالَ: وَقد يُسمى الْموضع الَّذِي يجفف فِيهِ التَّمْر مربدًا أَيْضا، وَهُوَ من قَوْلهم: ربد بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ. قَالَ: والمربد الْمَذْكُور فِي هَذَا الْأَثر مَوضِع بِقرب الْمَدِينَة عَلَى ميلين. وَكَذَا ذكره ابْن قرقول أَيْضا فَقَالَ فِي مطالعه: إِنَّه بِقرب الْمَدِينَة عَلَى ميلين وَإنَّهُ كل مَوضِع يحبس فِيهِ الْإِبِل. قَالَ: وَهُوَ مَوضِع أَيْضا خَارج الْبَصْرَة سوق الْإِبِل. قَالَ: وَاخْتلف هَل هُوَ فِي الأَصْل اسْم لموْضِع الْإِبِل أَو للعصا الَّتِي تجْعَل عَلَى بَابه مُعَارضَة. قَالَ: وَأهل الْبَصْرَة يسمون الْموضع الَّذِي يجفف فِيهِ التَّمْر مربدًا، فأصله من ربد بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ. وَقَالَ الْحَازِمِي فِي الْمُخْتَلف والمؤتلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن: المربد- بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالدَّال-: محلّة بِالْبَصْرَةِ من أشهر محالها وأطيبها.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ دَار كَانَ يحبس فِيهِ إبل الصَّدَقَة، وَفِي الحَدِيث: «حتَّى إِذا كُنَّا بمربد النعم» وَالْمرَاد كلهَا محابس، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ ابْن التِّين فِي شرح البُخَارِيّ: رَوَيْنَاهُ بِفَتْح الْمِيم وَهُوَ فِي اللُّغَة بِكَسْرِهَا. وَقَالَ صَاحب الْمُحكم: المربد: محبس الْإِبِل، وَقيل: هِيَ خَشَبَة أَو عَصا تعترض صُدُور الْإِبِل فتمنعها من الْخُرُوج. والمربد: فضاء وَرَاء الْبيُوت يرتفق بِهِ ومربد الْبَصْرَة من ذَلِك لأَنهم كَانُوا يحبسون فِيهِ الْإِبِل والمربد كالحجرة فِي الدَّار، ومربد التَّمْر: جرينه الَّذِي يوضع فِيهِ بعد الجداد لييبس. وَقَالَ السُّهيْلي: المربد والجرين والمسطح والبيدر والأنْدَر والجَوخان لُغَات بِمَعْنى وَاحِد.

.الْأَثر الثَّانِي:

قَالَ الرَّافِعِيّ: الْمَرَض مُبِيح فِي الْجُمْلَة قَالَ تَعَالَى: {وَإِن كُنْتُم مرضى أَو عَلَى سفر إِلَى قَوْله: فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا} نقل عَن ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهما أَن الْمَعْنى: وَإِن كُنْتُم مرضى فَتَيَمَّمُوا أَو كُنْتُم عَلَى سفر فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا. وَنقل عَنهُ أَيْضا فِي تَفْسِير الْآيَة: إِذا كَانَت بِالرجلِ جِرَاحَة فِي سَبِيل الله أَو قُرُوح جدري فيجنب وَيخَاف أَن يغْتَسل فَيَمُوت فيتيمم بالصعيد.
أما الْأَثر الأول: فَرَوَاهُ بِدُونِ السّفر الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا من حَدِيث عَاصِم الْأَحول، عَن عَطاء بن السَّائِب، عَن سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «رخص للْمَرِيض التَّيَمُّم بالصعيد». وَأما الثَّانِي: فروياه أَيْضا وَابْن الْجَارُود فِي المُنْتَقَى وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث جرير، عَن عَطاء بن السَّائِب، عَن سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس يرفعهُ «فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِن كُنْتُم مرضى أَو عَلَى سفر} قَالَ: إِذا كَانَت بِالرجلِ الْجراحَة فِي سَبِيل الله أَو القروح أَو الجدري فأجنب فخاف أَن يَمُوت إِن اغْتسل فليتيمم هَكَذَا» رَوَوْهُ مَرْفُوعا إِلَّا الدَّارَقُطْنِيّ فَإِنَّهُ وَقفه عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه من حَدِيث جرير بِهِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَرَوَاهُ عَلّي بن عَاصِم، عَن عَطاء وَرَفعه إِلَى النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وَوَقفه وَرْقَاء وَأَبُو عوَانَة وَغَيرهمَا وَهُوَ الصَّوَاب.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا بعد أَن رَوَاهُ مَرْفُوعا رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان وَغَيره أَيْضا عَن عَطاء مَوْقُوفا وكَذَلِك رَوَاهُ عزْرَة عَن سعيد بن جُبَير مَوْقُوفا.
قلت: وَعَطَاء قد أسلفنا فِي الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين من بَاب الْأَحْدَاث أَنه من الثِّقَات وَأَنه اخْتَلَط، فَمن رَوَى عَنهُ قبله كَانَ صَحِيحا، وَمن رَوَى عَنهُ بعده فَلَا، وأسلفنا هُنَاكَ أَن جَرِيرًا رَوَى عَنهُ بعد الِاخْتِلَاط.
قَالَ يَحْيَى بن معِين- فِيمَا ذكره ابْن عدي-: لم يرو جرير عَن عَطاء إِلَّا بعد اخْتِلَاطه. وَقد رَفعه عَن عَطاء هُنَا وَقد اخْتلف عَلَيْهِ- أَعنِي عَلَى عَطاء- فَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان وَغَيره عَنهُ مَوْقُوفا كَمَا سلف.
وَأما عَلّي بن عَاصِم الَّذِي رَفعه أَيْضا فقد أسلفنا هُنَاكَ عَن الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ: سمع من عَطاء قَدِيما شُعْبَة وَالثَّوْري، وَسمع مِنْهُ جرير، وخَالِد بن عبد الله، وَإِسْمَاعِيل، وَعلي بن عَاصِم، وَكَانَ يرفع عَن سعيد بن جُبَير أَشْيَاء لم يكن يرفعها. قلت: لَعَلَّ هَذَا مِنْهَا. قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله: سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ عَلّي بن عَاصِم عَن عَطاء بن السَّائِب، عَن سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «فِي المجدور وَالْمَرِيض إِذا خَافَ عَلَى نَفسه تيَمّم» قَالَ أَبُو زرْعَة: وَرَوَاهُ جرير أَيْضا فَقَالَ: عَن عَطاء، عَن سعيد، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه فِي المجدور، قَالَ: إِن هَذَا خطأ أَخطَأ فِيهِ عَلّي بن عَاصِم، وَرَوَاهُ أَبُو عوَانَة وورقاء وَغَيرهمَا، عَن عَطاء بن السَّائِب عَن سعيد عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوف وَهُوَ الصَّحِيح. وَرَوَاهُ أَبُو عوَانَة فِي كتاب الصَّلَاة عَن سُفْيَان، عَن عَاصِم الْأَحول، عَن قَتَادَة، عَن سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «رخص للْمَرِيض التَّيَمُّم أَرَأَيْت إِن كَانَ مجدورًا كَأَنَّهُ صمعه كَيفَ يصنع».
فَائِدَة:
القروح: الجروح وَنَحْوهَا، وَاحِدهَا قرح- بِفَتْح الْقَاف وَضمّهَا وَبِفَتْحِهَا مَعَ الرَّاء وَضمّهَا- وَقَالَ الرَّاغِب فِي «مفرداته»: الْقرح: الْأَثر من الْجراح من شَيْء يُصِيبهُ من خَارج، والقرح: أَثَرهَا من دَاخل كالبثرة وَنَحْوهَا. والجدري بِضَم الْجِيم وَفتحهَا لُغَتَانِ فصيحتان وَالدَّال مَفْتُوحَة فيهمَا.

.الْأَثر الثَّالِث:

عَن ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهما «أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا} أَي: تُرَابا طَاهِرا».
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيقين بِنَحْوِهِ أَحدهمَا: من حَدِيث ابْن إِدْرِيس، عَن قَابُوس بن أبي ظبْيَان- بِكَسْر الظَّاء- عَن أَبِيه، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «الصَّعِيد: الْحَرْث حرث الأَرْض».
ثَانِيهمَا: من حَدِيث جرير عَن قَابُوس، عَن أَبِيه، عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: «أطيب الصَّعِيد حرث الأَرْض».

.الْأَثر الرَّابِع:

قَالَ الرَّافِعِيّ وَرُوِيَ عَن ابْن عمر مثله.
وَهَذَا لم أر من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ.

.الْأَثر الْخَامِس:

عَن ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهما قَالَ: «من السّنة أَن لَا يصلى بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا مَكْتُوبَة وَاحِدَة ثمَّ يتَيَمَّم لِلْأُخْرَى».
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث الْحسن بن عمَارَة- بِضَم الْعين- عَن الحكم، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «من السّنة أَن لَا يُصَلِّي الرجل بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا صَلَاة وَاحِدَة ثمَّ يتَيَمَّم للصَّلَاة الْأُخْرَى». ثمَّ قَالَ: الْحسن بن عمَارَة ضَعِيف. ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث أبي يَحْيَى الْحمانِي، عَن الْحسن بن عمَارَة أَيْضا، عَن الحكم، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «لَا يصلى بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا صَلَاة وَاحِدَة».
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه: أَبُو يَحْيَى الْحمانِي، وَالْحسن بن عمَارَة مَتْرُوكَانِ. قلت: أما إِطْلَاق التّرْك عَلَى الْحسن بن عمَارَة فَهُوَ كَمَا قَالَ فِي حَقه، وَأما إِطْلَاقه عَلَى أبي يَحْيَى الْحمانِي عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن فَلَا أعلم لَهُ سلفا فِي ذَلِك، وَقد أخرج لَهُ مُسلم فِي مُقَدّمَة صَحِيحه وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَقَالَ أَبُو دَاوُد: كَانَ دَاعِيَة إِلَى الإرجاء. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ ابْن عدي: هُوَ وَابْنه مِمَّن يكْتب حَدِيثهمَا. وَأما ذكره هُوَ- أَعنِي ابْن الْجَوْزِيّ- فِي ضُعَفَائِهِ قَالَ: ضعفه أَحْمد وَوَثَّقَهُ يَحْيَى. وَلم يزدْ عَلَى ذَلِك، نعم أطلق الْكَذِب عَلَى ابْنه أحمدُ وَابْن نمير، وَوَثَّقَهُ يَحْيَى وَغَيره، وَقَالَ الْجوزجَاني: ترك حَدِيثه. وَقَالَ ابْن عدي: صنف الْمسند وَلم أر فِي مُسْنده وَلَا فِي أَحَادِيثه أَحَادِيث مَنَاكِير وَأَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ.
قلت: وَرَوَى نَحْو مَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس ثَلَاثَة من الصَّحَابَة أَيْضا: عَلّي بن أبي طَالب، وعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَعبد الله بن عمر.
أما أثر عَلّي فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث حجاج، عَن أبي إِسْحَاق، عَن الْحَارِث، عَن عَلّي قَالَ: «يتَيَمَّم لكل صَلَاة». حجاج هُوَ ابْن أَرْطَاة النَّخعِيّ الْفَقِيه ضَعِيف. وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: لَا أحتج بِهِ إِلَّا فِيمَا قَالَ: أَنا وَسمعت. قلت: وَقد عُدِمَا فِي هَذِه الرِّوَايَة، والْحَارث هُوَ الْأَعْوَر وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ، وَنسبه ابْن الْمَدِينِيّ إِلَى الْكَذِب.
وَأما أثر عبد الله فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن قَتَادَة أَن عَمْرو بن الْعَاصِ كَانَ يتَيَمَّم لكل صَلَاة وَبِه كَانَ يُفْتِي قَتَادَة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته: هَذَا مُرْسل. ثمَّ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث همام عَن عَامر الْأَحول «أَن عَمْرو بن الْعَاصِ كَانَ يتَيَمَّم لكل صَلَاة» وَأما أثر عبد الله بن عمر فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث عبد الْوَارِث، عَن عَامر بن عبد الْوَاحِد الْأَحول، عَن نَافِع «أَن ابْن عمر كَانَ يتَيَمَّم لكل صَلَاة». وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن الْحَاكِم، عَن أبي بكر بن إِسْحَاق- وَهُوَ ابْن خُزَيْمَة- عَن عبد الله بن مُحَمَّد، عَن الْحسن بن عِيسَى، عَن ابْن الْمُبَارك، عَن عبد الْوَارِث، عَن عَامر- يَعْنِي الْأَحول- عَن نَافِع، عَن ابْن عمر قَالَ: «تيَمّم لكل صَلَاة وَإِن لم تحدث» ثمَّ قَالَ: إِسْنَاده صَحِيح قَالَ: وَهُوَ أصح حَدِيث فِي الْبَاب. وَقَالَ فِي خلافياته وَقد سَاقه من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ السالف: هَذَا إِسْنَاد صَحِيح. قَالَ: وَهُوَ أصح حَدِيث فِي الْبَاب وَبِه تقع الْكِفَايَة إِذْ لَا يعرف لَهُ مُخَالف من الصَّحَابَة فِيهِ.
قلت: وعامر الْأَحول وَإِن ضعفه ابْن عُيَيْنَة وَأحمد فقد وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم، وَقَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَأخرج لَهُ مُسلم فَجَاز القنطرة.
وَقَول ابْن حزم: الرِّوَايَة عَن ابْن عمر لَا تصح. لَيْسَ بجيد مِنْهُ؛ لما علمت إِذْ عرفت هَذِه الْآثَار، فليت الرَّافِعِيّ اقْتصر مِنْهَا عَلَى أثر ابْن عمر دون مَا رَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس أَو ذكره أَولا، ثمَّ ذكر مَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس بعده، ثمَّ ذكر الرَّافِعِيّ بعده: أَن السّنة فِي كَلَام الصَّحَابِيّ ينْصَرف إِلَى سنة رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وَهُوَ كَمَا قَالَ كَمَا هُوَ مُقَرر فِي عُلُوم الحَدِيث.
خاتمتان:
الأولَى: قَالَ الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ: اخْتلفت الصَّحَابَة فِي تيَمّم الْجنب، وَلم يَخْتَلِفُوا فِي تيَمّم الْحَائِض انْتَهَى، أما اخْتلَافهمْ فِي الأول فمشهور عَن عمر وَابْن مَسْعُود كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُمَا، ففيهما عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ: قَالَ عبد الله بن مَسْعُود: «لَو أَن جنبا لم يجد المَاء شهرا لَا يتَيَمَّم. قَالَ أبوموسى لَهُ: فَكيف تصنع بِهَذِهِ الْآيَة {فَلم تَجدوا} فَقَالَ عبد الله: لَو رخص لَهُم لأوشكوا إِذا بَرد عَلَيْهِم المَاء أَن يتيمموا بالصعيد. فَذكر أَبُو مُوسَى لعبد الله قصَّة عمار، فَقَالَ عبد الله: ألم تَرَ عمر لم يقنع بقول عمار» وَفِيهِمَا من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى «أَن رجلا أَتَى عمر فَقَالَ: إِنِّي أجنبت فَلم أجد مَاء. فَقَالَ عمر: لَا تصل. فَقَالَ عمار: أما تذكر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذْ أَنا وَأَنت فِي سَرِيَّة فأجنبنا فَلم نجد مَاء، فَأَما أَنْت فَلم تصل، وَأما أَنا فتمعكت فِي التُّرَاب وَصليت فَقَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَن تضرب بيديك الأَرْض ثمَّ تمسح بهما وَجهك وكفيك؟ فَقَالَ عمر: اتَّقِ الله يَا عمار. قَالَ: إِن شِئْت لم أحدث بِهِ».
لم يذكر البُخَارِيّ قَول عمر للرجل «لَا تصل» قَالَ ابْن الصّباغ وَغَيره: وَقيل: إِن عمر وَابْن مَسْعُود رجعا. قَالَ: وَأما اتِّفَاقهم عَلَى تيَمّم الْحَائِض فَظَاهر إِيرَاد النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب يُخَالِفهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: التَّيَمُّم عَن الْحَدث الْأَكْبَر جَائِز، وَبِه قَالَ الْعلمَاء كَافَّة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ إِلَّا عمر بن الْخطاب وَابْن مَسْعُود وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فَإِنَّهُم منعُوهُ.
الخاتمة الثَّانِيَة:
لما ذكر الرَّافِعِيّ الْكَيْفِيَّة الْمَشْهُورَة فِي التَّيَمُّم قَالَ: زعم بَعضهم أَنَّهَا منقولة عَن فعل رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَهَذَا الزاعم أَظُنهُ الْمَاوَرْدِيّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي حاويه: إِنَّمَا ذكرهَا الشَّافِعِي لأمرين أَحدهمَا: أَنه اتبع فِيهِ الرِّوَايَة عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وَهَذَا لم أَقف عَلَيْهِ بعد الْبَحْث عَنهُ، ونفاه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فَقَالَ: إِنَّه لم يرد بهَا خبر وَلَا أثر. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِي الْقطعَة الَّتِي لَهُ عَلَى الْوَسِيط الْمُسَمَّاة بالتنقيح لَا يَصح فِي هَذِه الكفية شَيْء، وَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب: هَذَا الَّذِي قَالَه هَذَا الزاعم لَيْسَ بِشَيْء، فَإِن قلت: قد اسْتدلَّ صَاحب الْمُهَذّب لهَذِهِ الْكَيْفِيَّة بِحَدِيث أسلع رَضي اللهُ عَنهُ وَهُوَ فِي الدَّارَقُطْنِيّ قلتُ: لَا دَلِيل فِيهِ لَهَا لعدم الْمُطَابقَة للكيفية الَّتِي فِي الرَّافِعِيّ، فَتَأمل ذَلِك. ثمَّ إِن الحَدِيث ضعفه الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ: الرّبيع بن بدر رَاوِيه، عَن أَبِيه، عَن جده، عَن الأسلع ضَعِيف إِلَّا أَنه غير مُنْفَرد آخر الْجُزْء الرَّابِع فِي تجزئة المُصَنّف غفر الله لَهُ ويتلوه فِي الْخَامِس عشر بَاب الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم.
{رَبنَا آتنا من لَدُنْك رَحْمَة وهيئ لنا من أمرنَا رشدا}.

.باب الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ:

ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ثَمَانِيَة أَحَادِيث وأثرًا وَاحِدًا.

.الحديث الأول:

عَن أبي بكرَة رَضي اللهُ عَنهُ «أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أرخص للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة إِذا تطهر فَلبس خفيه أَن يمسح عَلَيْهِمَا».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الْأَئِمَّة.
رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْأُم فَقَالَ: أخبرنَا عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، عَن المُهَاجر أبي مخلد، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة، عَن أَبِيه بِهِ إِلَى قَوْله «وَلَيْلَة».
قَالَ الشَّافِعِي: إِذا تطهر... إِلَى آخِره، وَكَذَا هُوَ فِي الْمُخْتَصر أَيْضا.
وَفِي رِوَايَة لَهُ: «أرخص للْمُسَافِر أَن يمسح عَلَى الْخُفَّيْنِ ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة» وَهِي مخرجة فِي الْمسند.
وَرَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي مُصَنفه، عَن زيد بن الْحباب، ثَنَا عبد الْوَهَّاب، ثَنَا المُهَاجر مولَى البكرات، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة، عَن أَبِيه: «أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ جعل للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة».
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه، من حَدِيث عبد الْوَهَّاب أَيْضا بِلَفْظ: «أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رخص للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة إِذا تطهر، وَلبس خفيه أَن يمسح عَلَيْهِمَا». وَفِي رِوَايَة لَهُ: «يمسح الْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن والمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة».
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بالسند الْمَذْكُور، إِلَّا أَنه أبدل المُهَاجر بِخَالِد الْحذاء، وَلَفظه: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سُئِلَ عَن الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ فَقَالَ: للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وللمقيم يَوْم وَلَيْلَة. وَكَانَ أبي ينْزع خفيه وَيغسل رجلَيْهِ».
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام: وَهَذَا الْإِسْنَاد أجل من الأول- يَعْنِي: إِسْنَاد الدَّارَقُطْنِيّ وموافقته- لمَكَان خَالِد الْحذاء بدل المُهَاجر، فَإِن خَالِدا مُتَّفق عَلَيْهِ، إِلَّا أَن الْبَيْهَقِيّ قَالَ: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ جمَاعَة عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن المُهَاجر. وَرَوَاهُ زيد بن الْحباب عَنهُ عَن خَالِد الْحذاء، فإمَّا أَن يكون غَلطا مِنْهُ أَو من الْحسن بن عَفَّان- يَعْنِي الَّذِي رَوَاهُ عَن زيد بن الْحباب- وَإِمَّا أَن يكون رَوَاهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَرِوَايَة الْجَمَاعَة أولَى أَن تكون مَحْفُوظَة. وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ لما سُئِلَ عَنهُ أَن الصَّحِيح حَدِيث المُهَاجر، فَإِنَّهُ قَالَ: رَوَاهُ مهَاجر بن خَالِد مولَى آل أبي بكرَة، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة، عَن أَبِيه، حدث بِهِ وهيب بن خَالِد وعبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، وَاخْتلف عَن عبد الْوَهَّاب فَرَوَاهُ عَنهُ ابْنه عُثْمَان بن عبد الْوَهَّاب، ومسدد، وَبُنْدَار، وَأَبُو الْأَشْعَث فَقَالُوا: عَن مهَاجر، عَن ابْن أبي بكرَة، عَن أَبِيه، وَخَالفهُم زيد بن الْحباب فَرَوَاهُ عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، عَن خَالِد، عَن ابْن أبي بكرَة، عَن أَبِيه، وَالصَّحِيح حَدِيث مهَاجر.
قلت: قد رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة، عَن زيد بن الْحباب، عَن عبد الْوَهَّاب، عَن المُهَاجر عَن ابْن أبي بكرَة، عَن أَبِيه كَمَا أسلفناه، فَكَأَنَّهُ اخْتلف عَنهُ أَيْضا.
قلت: وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان من حَدِيث عبد الْوَهَّاب، عَن مهَاجر، أخرجه ابْن خُزَيْمَة عَن بنْدَار وَبشر بن معَاذ الْعَقدي وَمُحَمّد بن أبان، عَن عبد الْوَهَّاب، عَن المُهَاجر، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة، عَن أَبِيه، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أَنه رخص للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة إِذا تطهر فَلبس خفيه أَن يمسح عَلَيْهِمَا». وَهَذِه الرِّوَايَة مُوَافقَة لرِوَايَة الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب.
وَأخرجه ابْن حبَان بلفظين أَحدهمَا: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أرخص للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة إِذا تطهر وَلبس خفيه فليمسح عَلَيْهِمَا».
ثَانِيهمَا: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام وَقت فِي الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن للْمُسَافِر، وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة»، وَرَوَاهُ ابْن الْجَارُود فِي المُنْتَقَى من حَدِيث يَحْيَى بن معِين، عَن عبد الْوَهَّاب، عَن مهَاجر بِلَفْظ: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام جعل للمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة، وللمسافر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن فِي الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ».
وَصحح الحَدِيث أَيْضا إمامنا فِي رِوَايَة حَرْمَلَة، كَمَا نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة حَيْثُ قَالَ عَنهُ إِنَّه قَالَ فِي رِوَايَة حَرْمَلَة: أَخذنَا فِي التَّوْقِيت بِحَدِيث المُهَاجر وَكَانَ إِسْنَادًا صَحِيحا. قَالَ: وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: قَالَ البُخَارِيّ: هَذَا حَدِيث حسن. وَهَذَا رَأَيْته فِي «علل التِّرْمِذِيّ الْكَبِير» وَهُوَ كتاب مُفْرد، وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد.
قلت: ولين بَعضهم المُهَاجر، قَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: لين الحَدِيث لَيْسَ بِذَاكَ، وَلَيْسَ بالمتقن، شيخ يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ ابْن معِين: صَالح.
فَائِدَة: اسْم أبي بكرَة بِالْبَاء الْمُوَحدَة أَوله، وهاء التَّأْنِيث فِي آخِره نفيع بن الْحَارِث، وَقيل: مسروح، كني بذلك لِأَنَّهُ تدلى ببكرة من حصن الطَّائِف إِلَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فكناه بذلك لما أخبرهُ بِفِعْلِهِ، كَمَا رَوَاهُ عبد الْغَنِيّ فِي كتاب أَسبَاب الْأَسْمَاء وَهُوَ أحد الصَّحَابَة الَّذين لم يموتوا حتَّى رَأَى كل وَاحِد من صلبه مائَة ولد ذكر، وهم ثَلَاثَة ذكرتهم فِي تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب فاستفدهم مِنْهُ، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة إِحْدَى وَخمسين.

.الحديث الثَّانِي:

عَن صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ: «أمرنَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إِذا كُنَّا مسافرين- أَو سفرا- أَن لَا ننزع خفافنا ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن إِلَّا من جَنَابَة لَكِن من غَائِط أَو بَوْل أَو نوم».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الْأَئِمَّة: الشَّافِعِي، وَأحمد فِي مسنديهما، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا، من رِوَايَة عَاصِم بن أبي النجُود- بنُون مَفْتُوحَة، ثمَّ جِيم، ثمَّ وَاو، ثمَّ دَال مُهْملَة، واسْمه بَهْدَلَة- الْمُقْرِئ، عَن زر، عَن صَفْوَان، وَهُوَ بِكَمَالِهِ يتَضَمَّن قصَّة الْمسْح، وَفضل طلب الْعلم، وَأمر التَّوْبَة، وَبَعض هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين طوله، وَبَعْضهمْ اخْتَصَرَهُ، وَذكر أَنه رَوَاهُ عَن عَاصِم أَكثر من ثَلَاثِينَ من الْأَئِمَّة، حَكَاهُ صَاحب الإِمام وَقَالَ ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه: رَوَاهُ عَن عَاصِم جماعات، وعددهم فَوق الْأَرْبَعين.
وَرَوَاهُ جماعات عَن زر مِنْهُم عبد الْوَهَّاب بن بخت، وَالْحسن بن عبد الرَّحْمَن الْكَاتِب الْكُوفِي، وَعبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق، وَطَلْحَة بن مصرف، وَبشر بن عَطِيَّة، وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، والمنهال بن عَمْرو، وَعِيسَى بن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، وَأَبُو سعد سعيد بن الْمَرْزُبَان الْبَقَّال، وَمُحَمّد بن سوقة، وَأَبُو عِيسَى حبيب بن أبي ثَابت.
قَالَ: وَرَوَاهُ عَن صَفْوَان جمَاعَة مِنْهُم: أَبُو الغريف عبيد الله بن خَليفَة، وَحُذَيْفَة بن أبي حُذَيْفَة الْأَزْدِيّ، وَأَبُو الجوزاء أَوْس بن عبد الله الربعِي، وَقيل أَبُو الجوزاء الَّذِي رَوَاهُ: ربيعَة بن شَيبَان، وَالْحسن الْبَصْرِيّ.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ صَحِيح الْإِسْنَاد. وَقَالَ البُخَارِيّ فِيمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنهُ فِي علله: إِنَّه أصح حَدِيث فِي التَّوْقِيت. وَفِي الْجَامِع عَنهُ أَنه حسن، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه: عَاصِم وَإِن تكلم فِي حفظه فقد خرّج عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
قلت: أخرجَا لَهُ مَقْرُونا لَا اسْتِقْلَالا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته فِي مَسْأَلَة النّوم: عَاصِم بن بَهْدَلَة قَارِئ أهل الْكُوفَة وَإِن لم يخرج الشَّيْخَانِ حَدِيثه فِي الصَّحِيح لسوء حفظه، فَلَيْسَ بساقط إِذا وَافق فِيمَا يرويهِ الثِّقَات وَلم يُخَالِفهُ الْأَثْبَات، وَقد رَوَى أول هَذَا الحَدِيث- وَهُوَ حَدِيث طلب الْعلم- عبد الْوَهَّاب بن بخت- وَهُوَ من ثِقَات الْبَصرِيين- عَن زر نَحْو حَدِيث عَاصِم بن بَهْدَلَة. وَقَالَ الْحَاكِم فِي أَوَائِل كتاب الْإِيمَان من مُسْتَدْركه: لم يذكر الشَّيْخَانِ لِصَفْوَان بن عَسَّال حَدِيثا وَاحِدًا. قَالَ: وَسمعت أَبَا عبد الله الْحَافِظ مُحَمَّد بن يَعْقُوب وَسَأَلَهُ مُحَمَّد بن عبيد فَقَالَ: لم ترك الشَّيْخَانِ حَدِيث صَفْوَان بن عَسَّال أصلا؟ فَقَالَ: لفساد الطَّرِيق إِلَيْهِ.
قَالَ الْحَاكِم: وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو عبد الله بِهَذَا حَدِيث عَاصِم عَن زر، فَإِنَّهُمَا تركاه.
قلت: وَلِحَدِيث صَفْوَان هَذَا متابع فِي الْمسْح من جِهَة عبد الْكَرِيم بن أبي الْمخَارِق، عَن حبيب بن أبي ثَابت، عَن زر، رَوَاهَا الطَّبَرَانِيّ وَهِي مُتَابعَة غَرِيبَة.
قَالَ صَاحب الإِمام: إِلَّا أَن عبد الْكَرِيم ضَعَّفُوهُ. وَقَالَ الْحسن وَأَبُو عَلّي بن السكن: وَقَالَ الصَّعق بن حزن، عَن عَلّي بن الحكم، عَن الْمنْهَال بن عَمْرو، عَن زر، عَن ابْن مَسْعُود، قَالَ: «جَاءَ رجل من مُرَاد يُقَال لَهُ صَفْوَان»، وَلم يُتَابع عَلَيْهِ، وَهَذِه مُتَابعَة ثَانِيَة.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي روق عَطِيَّة بن الْحَارِث، نَا أَبُو الغريف- بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة، وَكسر الرَّاء، وَآخره فَاء- واسْمه عبيد الله بن خَليفَة، عَن صَفْوَان بن عَسَّال، قَالَ: «بعثنَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فِي سَرِيَّة وَقَالَ: ليمسح أحدكُم إِذا كَانَ مُسَافِرًا عَلَى خفيه إِذا أدخلهما طاهرتين ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، وليمسح الْمُقِيم يَوْمًا وَلَيْلَة».
وَرَوَاهُ أَبُو يعْلى بِنَحْوِهِ، وَهَذِه مُتَابعَة ثَالِثَة.
قَالَ أَبُو حَاتِم: أَبُو الغريف لَيْسَ بالمشهور. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث يَحْيَى بن فُضَيْل، عَن الْحسن بن صَالح، عَن أبي جناب الْكَلْبِيّ، عَن طَلْحَة بن مصرف، عَن زر بن حُبَيْش، عَن صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي قَالَ: «سَأَلت رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَمسَح عَلَى الْخُفَّيْنِ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: نعم، ثَلَاثَة أَيَّام للْمُسَافِر لَا ينْزع من غَائِط، وَلَا بَوْل وَلَا نوم، وَيَوْم وَلَيْلَة للمقيم» ثمَّ قَالَ: لم يروه إِلَّا أَبُو جناب، تفرد بِهِ يَحْيَى بن فُضَيْل.
قلت: وَهَذِه مُتَابعَة رَابِعَة، وَقد أَشَارَ التِّرْمِذِيّ إِلَى بعض المتابعات فَإِنَّهُ قَالَ فِي جامعه: وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن صَفْوَان من غير حَدِيث عَاصِم.
وَأخرج أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه رِوَايَة عَاصِم من طرق مِنْهَا عَن معمر عَنهُ، فَقَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة بِخَبَر غَرِيب، ثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى، وَمُحَمّد بن رَافع، قَالَا: ثَنَا عبد الرَّزَّاق، أَنا معمر، عَن عَاصِم، عَن زر، قَالَ: أتيت صَفْوَان بن عَسَّال الْمرَادِي فَقَالَ: مَا جَاءَ بك؟ قلت: جِئْت أنبط الْعلم. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يَقُول: «مَا من خَارج يخرج من بَيته يطْلب الْعلم إِلَّا وضعت لَهُ الْمَلَائِكَة أَجْنِحَتهَا رضَا بِمَا يصنع. قَالَ: جِئْت أَسأَلك عَن الْمسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: نعم، كُنَّا فِي الْجَيْش الَّذين بَعثهمْ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَأمرنَا أَن نمسح عَلَى الْخُفَّيْنِ إِذا نَحن أدخلناهما عَلَى طهُور ثَلَاثًا إِذا سافرنا، وَلَا نخلعهما من غَائِط وَلَا بَوْل».
وَمِنْهَا: عَن معمر أَيْضا عَنهُ: «أمرنَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَن نمسح ثَلَاثًا إِذا سافرنا، وَيَوْما وَلَيْلَة إِذا أَقَمْنَا، وَلَا ننزعهما من غَائِط، وَلَا بَوْل وَلَا نوم، وَلَكِن من الْجَنَابَة».
وَمِنْهَا: عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة عَنهُ «أمرنَا إِذا كُنَّا مسافرين- أَو سفرا- أَن لَا ننزع أَو نخلع خفافنا ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن من غَائِط وبَوْل إِلَّا من الْجَنَابَة».
وَمِنْهَا: عَن سُفْيَان عَنهُ «كَانَ يَأْمُرنَا إِذا كُنَّا سفرا أَو مسافرين أَن لَا ننزع خفافنا ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن إِلَّا من جَنَابَة، لَكِن من غَائِط وَبَوْل ونوم».
وَلما رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه، من حَدِيث عبد الرَّزَّاق، عَن معمر بِلَفْظ: «كنت فِي الْجَيْش الَّذين بَعثهمْ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَأمرنَا أَن نمسح عَلَى الْخُفَّيْنِ إِذا نَحن أدخلناهما عَلَى طهر ثَلَاثًا إِذا سافرنا، وَيَوْما وَلَيْلَة إِذا أَقَمْنَا، وَلَا نخعلهما من بَوْل وَلَا غَائِط وَلَا نوم إِلَّا من جَنَابَة».
قَالَ: ثَنَا عَلّي بن إِبْرَاهِيم بن عِيسَى قَالَ: سَمِعت أَبَا بكر بن خُزَيْمَة النَّيْسَابُورِي يَقُول: ذكرت للمزني خبر عبد الرَّزَّاق هَذَا فَقَالَ: حدث بِهِ أَصْحَابنَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ للشَّافِعِيّ حجَّة أَقْوَى من هَذَا، يَعْنِي قَوْله: «إِذا نَحن أدخلناهما عَلَى طهر».
تَنْبِيهَات: أَحدهَا فِي الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ زِيَادَة فِي هَذَا الحَدِيث بعد قَوْله: «أَو نوم» وَهِي: «أَو ريح» قَالَا: وَلم يقل هَذِه اللَّفْظَة فِي هَذَا الحَدِيث غير وَكِيع، عَن مسعر. وَفِي رِوَايَة لِلْحَافِظِ المطرزي فِي آخر الحَدِيث: «من الْحَدث إِلَى الْحَدث»، وَهِي غَرِيبَة جدًّا.
قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب: وَغير ثَابِتَة أَيْضا وفِي الْمُهَذّب للشَّيْخ أبي إِسْحَاق فِي آخر الحَدِيث زِيَادَة غَرِيبَة وَهِي: «ثمَّ نُحدث بعد ذَلِك وضُوءًا».
قَالَ النَّوَوِيّ فِي شَرحه: وَهَذِه زِيَادَة بَاطِلَة لَا تعرف.
ثَانِيهَا: وهم صَاحب التنقيب عَلَى الْمُهَذّب وهما فظيعًا حَيْثُ عزا حَدِيث صَفْوَان هَذَا إِلَى الشَّيْخَيْنِ وَأَصْحَاب السّنَن، وَهَذَا من أقبح أَوْهَامه فِي هَذَا الْكتاب يجب إِصْلَاحه.
فالشيخان لم يخرجَاهُ أصلا، وَأَبُو دَاوُد لم يُخرجهُ أَيْضا وَهُوَ من أَصْحَاب السّنَن، وَقد أسلفت عَن الْحَاكِم أَن الشَّيْخَيْنِ لم يخرجَا لِصَفْوَان حَدِيثا.
ثَالِثهَا: عَسَّال وَالِد صَفْوَان بِعَين مُهْملَة ثمَّ سين مُهْملَة أَيْضا فاعلمه، فقد يصحفه من لَا أنس لَهُ بالفن وَهُوَ صفة للرمح يُقَال: عسل الرمْح عسلاً- بِالْفَتْح- إِذا اهتز واضطرب فَهُوَ عَسَّال، وَصَفوَان من كبار الصَّحَابَة غزا مَعَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثِنْتَيْ عشرَة غَزْوَة، سكن الْكُوفَة، وَمن مناقبه أَن عبد الله بن مَسْعُود رَوَى عَنهُ وَصَفوَان- بالصَّاد الْمُهْملَة- أَصله الْحجر.
رَابِعهَا: قَوْله: «إِلَّا من جَنَابَة» هَكَذَا هُوَ فِي كتب الحَدِيث الْمَشْهُورَة: «إِلَّا» وَهِي الَّتِي للاستثناء، وَقَالَ صَاحب الْبَحْر فِي بَاب مَا ينْقض الْوضُوء: رُوِيَ أَيْضا «لَا من جَنَابَة» بِحرف «لَا» وَكِلَاهُمَا صَحِيح الْمَعْنى، لَكِن الْمَشْهُور: «إِلَّا».
وَقَوله: «لَكِن من غَائِط أَو بَوْل أَو نوم» كَذَا وَقع فِي الْكتاب والْمُهَذّب أَيْضا بِحرف «أَو»، وَأفَاد الْفَقِيه نجم الدَّين بن الرّفْعَة فِي مطلبه أَن ذَلِك رِوَايَة، وَالْمَشْهُور فِي كتب الحَدِيث وَالْفِقْه بِالْوَاو فَقَط.
وَقَوله: «لَكِن من غَائِط...» إِلَى آخِره، قَالَ أهل اللُّغَة: لَفْظَة «لَكِن» للاستدراك تعطف فِي النَّفْي مُفردا عَلَى مُفْرد، وَتثبت للثَّانِي مَا نفته عَن الأول.
تَقول: مَا قَامَ زيد لَكِن عَمْرو، فَإِن دخلت مثبتة احْتِيجَ بعْدهَا إِلَى جملَة، تَقول: قَامَ زيد لَكِن عَمْرو لم يقم، فَقَوله: «لَا تنزعها إِلَّا من جَنَابَة لَكِن من غَائِط وَبَوْل ونوم» مَعْنَاهُ: أرخص لنا فِي الْمسْح مَعَ هَذِه الثَّلَاثَة، وَلم نؤمر بنزعها إِلَّا فِي حَال الْجَنَابَة، وَفِيه مَحْذُوف تَقْدِيره: لَكِن لَا ننزع من غَائِط وَبَوْل ونوم لِأَن التَّقْدِير الأول: أمرنَا بنزعها من الْجَنَابَة، وَرِوَايَة عبد الرَّزَّاق السالفة صَرِيحَة فِي ذَلِك، مغنية عَن التَّقْدِير، وَفَائِدَة هَذَا الِاسْتِدْرَاك بَيَان الْأَحْوَال الَّتِي يجوز فِيهَا الْمسْح، وَنبهَ بالغائط وَالْبَوْل وَالنَّوْم عَلَى مَا فِي مَعْنَاهَا من بَاقِي أَنْوَاع الْحَدث الْأَصْغَر، وَهِي: زَوَال الْعقل بجنون وَغَيره، واللمس والمس، ونبه بالجنابة عَلَى مَا فِي مَعْنَاهَا من الْحَدث الْأَكْبَر، فَدخل فِيهِ الْحيض وَالنّفاس، وَقد يُؤْخَذ من الْأَحْوَال الثَّلَاثَة أَنه لَا يجوز الْمسْح عَلَى الْخُف من النَّجَاسَة.
وَقَوله: «مسافرين أَو سفرا» شكّ من الرَّاوِي، هَل قَالَ الأول أَو الثَّانِي وهما بِمَعْنى، وَلَكِن لما شكّ الرَّاوِي أَيهمَا قَالَ احتاط فتردد ولم يجْزم بِأَحَدِهِمَا، وَرِوَايَة التِّرْمِذِيّ لَا شكّ فِيهَا وَجزم بقوله: «سفرا»- برَاء منونة وَيكْتب بعْدهَا ألف وَلَا يجوز غير هَذَا.
قَالَ ابْن الصّلاح، ثمَّ النَّوَوِيّ: وَرُبمَا غلط فِيهِ، فَقيل: سَفَرِي- بِالْيَاءِ- وَقَالَ صَاحالمستعذب عَلَى الْمُهَذّب: «سفرا» أَي بِالتَّنْوِينِ جمع مُسَافر. وَقد: يرْوَى بِغَيْر تَنْوِين، وَلَيْسَ بِشَيْء.
وَقَوله: إِنَّه جمع مُسَافر. هُوَ مَا قَالَه، كراكِب ورَكْب، وصاحِب وصَحْب، وَقيل: إِنَّه لم ينْطق بواحده الَّذِي هُوَ سفر، بل قدروه، وَقيل: نطق بِهِ، وَمِنْه: «يَا أهل مَكَّة أَتموا فَإنَّا قوم سَفْر».
تَنْبِيه: اعْترض ابْن الرّفْعَة فِي كِفَايَته عَلَى الرَّافِعِيّ فِي استدلاله بِحَدِيث صَفْوَان هَذَا عَلَى انْقِطَاع الْمدَّة بالجنابة، فَإِنَّهُ يدل عَلَى أَن الْمسْح عَلَى الْخُف لَا يقوم مقَام الْغسْل لَا الِانْقِطَاع، وَلَك أَن تَقول بل هُوَ دَال عَلَى وجوب النزع وَيلْزم مِنْهُ انقضاؤها.